ابن أبي الحديد

89

شرح نهج البلاغة

وفي قوله : " وتسترحمه ليرحمك " إشارة إلى قوله : ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) ( 1 ) . وفي قوله : " ولم يمنعك إن أسأت من التوبة " إشارة إلى قوله : ( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ) ( 2 ) . الأصل : واعلم يا بنى أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا ، وللفناء لا للبقاء ، وللموت لا للحياة ، وإنك في منزل قلعة ، ودار بلغة ، وطريق إلى الآخرة ، وأنك طريد الموت الذي لا ينجو هاربه ، ولا يفوته طالبه ، ولا بد أنه مدركه ، فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيئة ، قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة ، فيحول بينك وبين ذلك ، فإذا أنت قد أهلكت نفسك . يا بنى ، أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه ، وتفضي بعد الموت إليه ، حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك ، وشددت له أزرك ، ولا يأتيك بغتة فيبهرك . وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها ، وتكالبهم عليها ، فقد نبأك الله عنها ، ونعتت لك نفسها ، وتكشفت لك عن مساويها ، فإنما أهلها كلاب عاوية ، وسباع ضارية ، يهر بعضها على بعض ، ويأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر كبيرها صغيرها .

--> ( 1 ) سورة الأنفال 33 . ( 2 ) سورة الفرقان 70 .